بقلم: السيد حذيفة علي الندوي — كامبريدج

عاش الرشيد صموتًا في تأمله
يبدي الروائع من علم وأفكار.

لم يكن الراحل مجرد اسم لامع في صفحات الصحافة الإسلامية، بل كان هيئةً قائمة من الفكر والمنهج والخلق. رحم الله الأستاذ السيد محمد واضح رشيد الحسني الندوي، غمره برحمته الواسعة، وأدخله فسيح جناته، وأنار ضريحه، وجعل مثواه روضة من رياض الجنة. كان عظيم النفس، نبيل السمت، متواضع الجانب، فارسًا مغوارًا في ميدان الكلمة، يجاهد بقلمه، ويذب عن قضايا المسلمين، ويأخذ بيد القارئ إلى ما يصلح معاده ومعاشه. جمع بين علم راسخ وذوق أدبي رفيع ومروءة واستقامة؛ حتى لتقصر الألفاظ عن الإحاطة بفضله.

ترجع صلة أسرتنا بأسرة الفقيد إلى ثلاثينيات القرن الماضي؛ ولذلك كانت علاقتي به ذات وجهين: صداقة قديمة موروثة من ود جمعه بجدي، وتلمذة مباشرة أثمرت نصحًا ومتابعة. وأول حديث امتد بيني وبينه كان في لكناؤ عام ٢٠٠٧، يوم حضر من دهلي أخو جدي الأصغر، الشيخ السيد محمود الحسن الندوي رحمه الله، اجتماع المجلس الاستشاري السنوي لندوة العلماء. هناك التقيت الأستاذ واضح رشيد الذي كان زميل الشيخ محمود أيام الدراسة في دار العلوم التابعة لندوة العلماء، ثم زامله وعمل معه في إذاعة الهند بدلهي. كان ذلك اللقاء استئنافًا لوشائج قديمة، وبداية لسلسلة مجالس جمعت بين دفء المودة وصرامة العلم ومسؤولية الكلمة.

أذكر واقعةً ما زالت تضيء في الذاكرة: يوم تخرّجي من ندوة العلماء عام ٢٠١٦، ألقيتُ كلمة الوداع التي كتبتُ فيها ما فتح الله. فلمّا فرغتُ سرّ بها الشيخ سرورًا ظاهرًا، وتناول الورقة من يدي وقال بلطفٍ حازم: «سأنشرها». لم تكن تلك مجاملةً عابرة، بل طريقةً أصيلةً في صناعة الثقة عند الشباب؛ كان يغرس فيك اليقين بأن للكلمة رسالةً وأنّ لصاحبها واجبًا. ومنذ ذلك اليوم بقيتُ على صلةٍ دائمةٍ به؛ يكاتبني ويسأل، ويحدّثني من تجاربه في الأسفار واللقاءات، ومن ذلك رحلته إلى الرياض ولقاؤه بالعلّامة مصطفى الأعظمي رحمه الله، وما شاهده هناك من همّة العلماء وحرارة البحث. كان جوادًا بمعرفته، يُشركك في خبرته ويضعك على مفاتيح الطريق. وزادت تلك الصلةُ خصوصيّةً أنه كان صديقًا مقرّبًا لجدّي، فكان لي منه نصيبُ الابن من ودّ الصديق.

ومن حسن الحظ أنني جلست إليه في مكتبه قبل وفاته بأسبوع، مجلسًا لطيفًا قرأت فيه قصيدة ألقيتها في حفلة الوداع بجامعة كامبردج المسلمة. بادرني كعادته بسؤالٍ عن الأفكار السائدة اليوم في الغرب، وعن تحولات الخطاب هناك. لم يكن يسأل ترفًا ثقافيًا، بل لأنه ظل يرى أن من واجب صاحب الرسالة أن يعرف العالم الذي يخاطبه معرفة مباشرة: أن يصغي إلى مصادره الأولى، وأن يقرأ بلغته، وأن يفهم أدواته قبل أن يناقشه. كان واسع الاطلاع على قضايا المسلمين وحركاتهم المعاصرة، ينظر فيها بعين الخبير، ويتناولها بميزان العدل، ويضع كل فكرة في سياقها؛ فلا يغتر ببريقها، ولا يظلمها لمجرد مخالفة.

نشأ هذا المزاج المتزن من المدرسة التي انتمى إليها بإخلاص: ندوة العلماء التي تقوم على الجمع بين القديم الصالح والجديد النافع. وكان يؤكد أن مخاطبة الفكر الغربي لا تكون بترجمة متأخرة ولا بلغة وسيطة، بل بالإنجليزية مباشرة حيث تتشكل الأفكار وتنتشر. لذلك واظب — حتى حين ضعف بصره — على متابعة ما يكتب بالإنجليزية، يطلب أن أقرأ عليه مقاطع من الصحف والكتب، ويسأل الطلبة المقيمين في أوروبا وأمريكا والضيوف القادمين منهما عن ملامح المزاج الفكري هناك. هذا الحرص العملي جعله قريبًا من أسئلة العصر، حاضرًا في قلب النقاش، من غير أن يتنازل عن أصوله أو يساوم على ثوابته.

كان يرى الإعلام وظيفة هداية لا مهنة مجردة؛ فالكلمة عنده شهادة وأمانة قبل أن تكون خبرًا وعناوين. لذلك لم يكن “كاتب خبر” ولا “معلقًا عابرًا”، بل عقلًا هادئًا يقيس القضايا بمقاييس الشرع والعقل والواقع معًا. وإذا انتقد، نقد بإصلاح، وإذا نصح، نصح بتشخيص دقيق يَخرج منه القارئ بخارطةٍ للفهم والعمل، لا بمرارةٍ ولا خصومة. ومن عرفه عن قرب لمس تواضعه الجم؛ يعلم ويستفيد، يصغي قبل أن يتكلم، ويبادر إلى السؤال قبل أن يصدر الحكم. وحتى حين أعاقه البصر، لم تعقه الهمة؛ استبدل عينًا بأذن، وزاد قلبًا يقظًا وعقلًا منظمًا يجمع ويوازن ويستنتج.

وليس غريبًا أن يقف من الغرب موقف الإنصاف والوقار؛ لا انبهارًا يسلب الهوية، ولا عداءً أعمى يحجب الفهم. هكذا كان رواد ندوة العلماء الأوائل من قبله: يتعاملون مباشرة مع الفكرة وأدواتها، ويقيمون الجسور من موقع الثبات لا الذوبان. وبمثل هذا النفس قرأ الحركات الإسلامية المعاصرة؛ وصل حاضرها بماضيها، ووازن بين قيمها وممارساتها، ورأى في نقدها طريقًا لإصلاحها لا لتجريحها.

إن الحديث عن الأستاذ واضح رشيد الندوي ليس حديث حزنٍ يسكب على الذكريات، بل هو حديث نفع وبناء. فهنا تتجلى ملامح منهج يصلح للشباب والكتّاب وطلاب العلم اليوم: أن تكون المعلومة في خدمة المنهج لا العكس؛ أن تُسمى الأشياء بأسمائها بعد تثبتٍ وفهم للسياق؛ وأن تُكتب الردود والتحليلات بلغة البيئة التي تُصنع فيها الأفكار. وأن يبقى “الجديد النافع” موصولًا بـ“القديم الصالح”: مرجعية علمية راسخة، وذوق لغوي وأدبي يحفظ للنص أثره ووقاره، وأخلاق باحثٍ يتواضع للحق حيث كان.

لقد مضى الفارس، ولكن صهيل فكره لا يزال يتردد في أروقة الندوة، وعلى صفحات الجرائد، وفي قلوب تلاميذه وقرائه. ترك لنا سكينة المنهج، ونبل الرسالة، وصدق التوجه. علّمنا أن الإعلام حين يُختزل إلى منصة ومشاهدة يفقد رسالته، وحين يُرفع إلى شهادة وأمانة يصنع الوعي ويصلح الواقع. عاش رشيدًا، ومات حميدًا، وخلف وراءه عبيرًا لا يزول.

مرّ الفارس من هنا… وما زال العطر يدل على الطريق.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top