بقلم: السيد حذيفة علي الندوي
باحثُ دكتوراه في التاريخِ والفكرِ الإسلاميّ في جنوبِ آسيا خلالَ العصرِ الاستعماري، مع عنايةٍ خاصةٍ بتراثِ الإمامِ المحدّث الشاه عبد العزيز الدهلوي، بجامعةِ لندن (SOAS)، المملكة المتحدة.
huzaifahnadwi@gmail.com
من النوازل التي نزلت بالناس في أطراف الأرض، وقلّ من ينتبه لها، ما يجري اليوم في جنوبِ تايلاند من فيضاناتٍ واسعةٍ قلبت المدن إلى بركٍ من الماء، وشردت الناس من مساكنهم، وتركَت أثرًا بالغًا في النفوس والديار. وما تزال آثارُ هذه الكارثة تتكشف طبقةً بعد طبقة، حتى أصبح من اليسير القول إنّ الجنوب التايلاندي يعيش واحدةً من أشدّ المحن التي مرّت به خلال عقودٍ طويلة، من حيث امتدادها الجغرافي، وعمق تأثيرها الاجتماعي، وتداعياتها الاقتصادية والمعيشية.
فقد امتدّ الضرر إلى تسعةِ أقاليم رئيسية¹، منها: سونغخلا، ناراثيوات، باتاني، يالا، ترانغ، وساتون؛ وبلغ عددُ المناطق المتأثرة عشراتِ المقاطعات المحليّة. وقد نقلت بعضُ الجهات الإنسانية أنّ حجمَ المياه التي سقطت في خمسة أيام فقط يساوي معدّل أمطار شهرين كاملين، مما جعل البنيةَ التحتية – مهما بلغت من قوة – عاجزةً عن الاستيعاب. وامتدّ الغمر إلى شوارع رئيسةٍ ومناطق تجاريةٍ ومراكزَ حيويةٍ تُعدُّ شرايينَ اقتصاديةً لهذه الأقاليم.
أما الخسائرُ البشرية، فإنّ الرقمَ الرسمي يُعلِن 117 وفاة، غير أنّ ما تُورده الفرقُ الأهلية وتقاريرُ الميدان يشير إلى أنّ العدد الحقيقي قد يقترب من ألفِ نفس²، نظرًا لتعذّر الوصول إلى كثيرٍ من القرى والمرتفعات التي انقطعت عنها الطرق، وغمرت السيولُ بعضَها أيامًا متتابعة. وقد تحدّث بعضُ شهود العيان عن قرى بأكملها لم يتمكنوا من الوصول إليها إلا بعد انحسار الماء قليلًا، ليجدوا الجثثَ في البيوت أو بين الأشجار أو على ضفاف الأنهار، في مشاهد مؤلمة يصعب وصفها.
وقد كانت هات ياي – وهي من أكبر مدن الجنوب – في قلب العاصفة؛ إذ سجّلت خلال يومٍ واحد كميةَ أمطارٍ تجاوزت 300 مليمتر³، وهو ما عدّه بعضُ المختصين الأعلى منذ قرون، ففاضت الأنهار، وانهارت الطرق، وتعطلت شبكاتُ الكهرباء والماء والاتصال، ولجأت آلافُ الأسر إلى المساجد والمدارس كملاجئ مؤقتة. وفي بعض الأحياء، وصل منسوبُ المياه إلى مستوى الطابق الثاني من المنازل، وأصبحت القواربُ وسيلةَ التنقّل الوحيدة، مما أعاد إلى الذاكرة صورًا قديمة لفيضاناتٍ ضربت المنطقة في التسعينيات، إلا أنّ هذه الموجة فاقت سابقاتها شدّةً واتساعًا.
وليس من تمامِ الأمانة أن يُحمَّل جهازٌ بعينه مسؤوليةَ كلّ ما وقع، فهذه الكوارث تتداخل فيها عواملُ المناخ، والتخطيط، والطوارئ، والاستعداد المسبق. غير أنّ صوتَ الناس – أهلِ البلاء – يجب أن يُسمَع؛ فقد شكا كثيرٌ منهم من بطء وصول الإغاثة، ومن انقطاع المؤن والأدوية أيامًا، ومن عجز المستشفيات الريفية عن التعامل مع حجم الإصابات والاحتياجات. بل إنّ بعض الأطباء ذكروا أنهم عملوا لأيامٍ دون انقطاع، في غرفِ طوارئ مكتظة، وفي ظروفٍ قُدِّر لهم أن يكون فيها الماءُ أقرب إليهم من كل شيء، وأنهم اضطروا لإجراء إسعافاتٍ أوليّة على الأرض أو في أماكن مؤقتة بعد خروجِ غرف المستشفى عن الخدمة.
وإنّ مما يزيد هذه الحادثة وقعًا في القلب، معرفةُ الكاتب بثُلّةٍ من أبناء هذه الديار ممّن درسوا في دار العلوم لندوة العلماء، فعُرفوا بالحياء والوقار، وحسنِ الخلق، والخدمة، ورقّة الجانب. وقد رأيتُ من هؤلاء الطلاب ما يؤكد أنّ هذه البلاد تحمل رصيدًا أخلاقيًا وروحيًا رفيعًا، وأنّ هذه المحنة ليست مجرد واقعة طبيعية، بل اختبارٌ لصبر قومٍ اعتادوا أن يقابلوا النوازل بالثبات والسكينة، وأن يواجهوا المصاعب بقلوبٍ مؤمنةٍ وعزائم مستقيمة.
ومَن عرف هذه النفوس، لا يملك إلا أن يشاركها بالدعاء، وأن ينهض بواجبه من نشر الوعي وإيصال الخبر لمن لا يعلم؛ فكلمةٌ تُقال في مكانها، أو تذكيرٌ أمين، قد يكون سببًا في وصول معونةٍ، أو فتحِ باب إغاثة، أو بعثِ أملٍ في قلبٍ منكوب.
وفي مثل هذه النوازل، لا يجد المؤمن أنفع من دعاء القرآن:
﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾
فهو دعاء يجمع قوةَ الروح وثباتَ القلب، ويليق بكل مبتلى وبكل مَن يواسيه. وقد كان أهل العلم يرون في هذا الدعاء جامعًا لمعاني الطمأنينة، لأنه يبدأ بالصبر، ثم ينتقل إلى الثبات، وكأنما يعلّمنا القرآن ترتيبَ الأولويات عند المصائب: صبرٌ يسكّن الاضطراب، وثباتٌ يوجّه العمل، فلا يفقد الإنسان اتّزانه في لحظة الشدة.
وليس الغرضُ من هذا البيان تتبّع الأخبار فحسب، بل التذكير بما كان يوصي به أهل العلم: أن يقف المرء عند هذه الحوادث وقفةَ اعتبار، فيسأل نفسه: ما حظّي من مواساة الناس؟ وما سهمي من الدعاء؟ وما نصيبي من نشر الخبر بصدقٍ وأمانةٍ ورحمة؟ فالأزمات ليست مجرد أرقامٍ تُتلى، بل هي أبوابٌ تُفتَح لاختبار الضمائر، وميادينُ يظهر فيها معدنُ الإنسان، ويتبين فيها صدقُ التضامن الإنساني. وقد كان السلف يقولون: “ما من نعمةٍ تُشكر، إلا وبابُ الابتلاء مفتوحٌ ليرى الله صدقَ شكرِنا عليها”، وكأنّ مصائب الآخرين اختبارٌ لنا قبل أن تكون اختبارًا لهم.
نسأل الله تعالى أن يلطف بأهل تايلاند، وأن يكشف ضرّهم، ويخلف عليهم خيرًا ممّا فُقِد، وأن يجعل بعد العسر يُسرًا، وبعد الضيق فرجًا. وهو سبحانه وليّ اللطف، وكاشفُ الكرب. ونسأله جلّ وعلا أن يكتب لهذه البلاد أمنَها، وأن يبارك في جهود الصالحين من أهلها، وأن يجعل هذه المحنةَ بدايةً لنهضةٍ عمرانيةٍ وإنسانيةٍ تُصلح ما أفسدته السيول، وتزيد الناس قربًا من ربهم، وتعاونًا فيما بينهم.
الهوامش
- تقارير “إدارة الوقاية من الكوارث والتخفيف من حدّتها” في تايلاند عن الأقاليم المتضررة.
- إفاداتُ فرقِ الإنقاذ المحلية ومتطوعين من المنطقة حول الأعداد غير المسجّلة رسميًا.
- نشراتُ الأرصاد الجوية التايلاندية وتقاريرُ الأمطار القياسية.



